ابن قيم الجوزية

465

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وفي وصية لقمان لابنه : « أوصيك بخصال تقربك من اللّه ، وتباعدك من سخطه : أن تعبد اللّه لا تشرك به شيئا . وأن ترضى بقدر اللّه فيما أحببت وكرهت » . وقال بعض العارفين : من يتوكل على اللّه ، ويرض بقدر اللّه ، فقد أقام الإيمان ، وفرغ يديه ورجليه لكسب الخير ، وأقام الأخلاق الصالحة التي تصلح للعبد أمره . الخمسون : أن الرضى يفتح باب حسن الخلق مع اللّه تعالى ومع الناس ، فإن حسن الخلق من الرضى ، وسوء الخلق من السخط . وحسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم ، وسوء الخلق يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب . الحادي والخمسون : أن الرضى يثمر سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور ، وطيب النفس وسكونها في كل حال ، وطمأنينة القلب عند كل مفزع مهلع من أمور الدنيا ، وبرد القناعة ، واغتباط العبد بقسمه من ربه ، وفرحه بقيام مولاه عليه ، واستسلامه لمولاه في كل شيء ، ورضاه منه بما يجريه عليه ، وتسليمه له الأحكام والقضايا . واعتقاد حسن تدبيره ، وكمال حكمته ، ويذهب عنه شكوى ربه إلى غيره وتبرمه بأقضيته . ولهذا سمى بعض العارفين الرضى : حسن الخلق مع اللّه . فإنه يوجب ترك الاعتراض عليه في ملكه ، وحذف فضول الكلام التي تقدح في حسن خلقه . فلا يقول : ما أحوج الناس إلى مطر ؟ ولا يقول : هذا يوم شديد الحر ، أو شديد البرد ولا يقول : الفقر بلاء ، والعيال همّ وغم ، ولا يسمي شيئا قضاه اللّه وقدّره باسم مذموم إذا لم يذمه اللّه سبحانه وتعالى . فإن هذا كله ينافي رضاه . وقال عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه : أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع القدر . وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : « الفقر والغنى مطيتان ما أبالي أيهما ركبت . إن كان الفقر فإن فيه الصبر ، وإن كان الغنى فإن فيه البذل » . وقال ابن أبي الحواري - أو قيل له - إن فلانا قال : وددت أن الليل أطول مما هو . فقال : قد أحسن ، وقد أساء ، أحسن حيث تمنى طوله للعبادة والمناجاة ، وأساء حيث تمنى ما لم يرده اللّه ، وأحب ما لم يحبه اللّه . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : « ما أبالي على أي حال أصبحت وأمسيت : من شدة أو رخاء » . وقال يوما لامرأته عاتكة ، أخت سعيد بن زيد - وقد غضب عليها - « واللّه لأسوأنك ، فقالت : أتستطيع أن تصرفني عن الإسلام ، بعد إذ هداني اللّه له ؟ قال : لا . فقالت : فأي شيء تسوؤني به إذا ؟ » . تريد أنها راضية بمواقع القدر . لا يسوؤها منه شيء إلا صرفها عن الإسلام . ولا سبيل له إليه . وقال الثوري يوما عند رابعة : اللهم ارض عنا ، فقالت : أما تستحي أن تسأله الرضى عنك ، وأنت غير راض عنه ؟ فقال : أستغفر اللّه ، ثم قال لها جعفر بن سليمان : متى يكون العبد راضيا عن اللّه ؟ فقالت : إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة .